الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
312
مناهل العرفان في علوم القرآن
و يقول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « عليكم بالصدق فإنه مع البرّ وهما في الجنة . وإياكم والكذب فإنه مع الفجور وهما في النار » رواه ابن ماجة . وعن صفوان بن سليم رضى اللّه عنه قال : قلنا يا رسول اللّه : أيكون المؤمن جبانا ؟ قال : « نعم » . قلنا : أفيكون بخيلا ؟ قال : « نعم » . قلنا : أفيكون كذابا ؟ قال : « لا » أخرجه مالك . فانظر إلى الحديث الأول كيف جعل الصدق هاديا إلى البر وإلى الجنة ، وجعل الكذب هاديا إلى الفجور وإلى النار . ثم انظر إلى الحديث الثاني كيف اعتبر الكذب أفحش من الجبن والبخل ، وأخرجه في هذه الصورة الشنيعة التي لا تجتمع هي والإيمان في نفس واحدة أبدا . ! وستقضى العجب حين تعلم أن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بالغ في تقبيح الكذب حتى في توافه الأشياء ومحقرات الأمور ! استمع إليه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو ينهى عن الكذب في المزاح بهذه الطريقة الرادعة فيقول : « ويل للذي يحدث ليضحك منه القوم فيكذب ، ويل له ، ويل له » رواه أبو داود والترمذي . ثم استمع إليه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو يتوعد من يكذب في منامه ويقول : « من كذب في حلم كلف يوم القيامة أن يعقد بين شعيرتين ، وليس بعاقد بينهما أبدا » . قل لي بربك : هل تلك الطبقة الأولى الممتازة التي سمعت ذلك وأضعاف ذلك بآذانها من فم رسولها ، والتي اعتنقت الإيمان بعد البحث والنظر ، واعتقدته طريقا إلى سعادتها وعزّها ، والتي باعت أنفسها وأموالها للّه بأن لها الجنة في نعيمها وخلودها . نقول : هل تلك الطبقة الكريمة ترضى بعد ذلك كله أن تركب رأسها وتنكص على أعقابها ؟ فتكذب على اللّه ورسوله ، أو لا تتحرّى الصدق في كتاب اللّه وسنة رسوله ! ذلك شطط بعيد لا يجوز إلا على عقول المغفلين ! .